في الآونة الأخيرة، انتابني مزيج من المشاعر التي يصعب وصفها. الألم، والحزن، والغضب، وشعور عميق بالعجز. أستمر في فقدان الأمل ثم أجبر نفسي على استعادته، لأنه بدون أمل، نتوقف عن رؤية إمكانية التغيير.
في الآونة الأخيرة، انتابني مزيج من المشاعر التي يصعب وصفها. الألم، والحزن، والغضب، وشعور عميق بالعجز. أستمر في فقدان الأمل ثم أجبر نفسي على استعادته، لأنه بدون أمل، نتوقف عن رؤية إمكانية التغيير. لكن الأمر صعب. إن مشاهدة ما يحدث تجعلني أشك في قيمتي الخاصة، وكأنني أقل إنسانية في عالم يقرر من هي المعاناة التي تستحق الاهتمام. ومع ذلك، خلف كل هذا الألم، هناك حب.
لأن كل ما أشعر به، كل ذرة من الحزن والغضب، تنبع من مدى حبي العميق لهذه الأرض. أنا أحب فلسطين، رغم أنني لم أزرها قط. أحب شعبها، وقوتها، وتربتها، وروحها. أحب وطناً لم أعرفه إلا من خلال القصص والصور والذكريات التي تناقلتها الأجيال كأنها كنوز.
كان جدي في الثالثة عشرة من عمره فقط عندما فر من يافا عام 1948. ومن بين ثلاثة وسبعين شخصاً هربوا، نجا ثلاثة فقط. بنى حياته في المنفى، وهناك ولدت أنا، لاجئة فلسطينية لم تطأ قدماها أرض وطنها قط، لكنها تشعر به يعيش في داخلها. لم أرَ قط غصن زيتون ينبت في فلسطين، ومع ذلك لا أزال أشعر بجذوره تنمو في داخلي. تلك هي قوة الانتماء. إنها تجدك، حتى عندما يحاول العالم محوك.
لكن قصتي ليست سوى واحدة من بين الملايين. لكل فلسطيني قصته الخاصة. أولئك الذين يعيشون في غزة تحت الحصار، وأولئك الذين في الضفة الغربية تحيط بهم الجدران، وأولئك الذين في أراضي 1948 يعيشون كغرباء في وطنهم، وأمثالي، المشتتون في جميع أنحاء العالم، نتمسك بهوية مبنية على الذاكرة والحب. معاً، نحن أغصان لنفس شجرة الزيتون، تفصلنا الحدود لكننا ننمو من نفس التربة.
كل وقف لإطلاق النار يجلب لحظة من الصمت تبدو مقدسة تقريباً. وقفة هشة تسمح لنا بالتنفس والحزن وجمع قوانا من جديد. لكنه ليس سلاماً حقيقياً أبداً، لأن القتل لا يتوقف عندما يتوقف القصف. حتى بعد وقف إطلاق النار، لا يزال الناس يُؤخذون، ولا يزالون يُؤذون، ولا يزالون يُسكتون. استُشهد صالح الجعفراوي بعد أن أعلن العالم "السلام". ذكّرنا موته بأن الاحتلال لا يستريح.
ومع ذلك، في ظل هذا الصمت نفسه، ينمو شيء قوي. ليس مجرد أمل، بل يقين. معرفة أنه مهما طال الزمن، ستتحرر فلسطين. إنه ليس مجرد إيمان بمستقبل. إنه شيء أشعر به في أعماقي، حقيقة متجذرة في أجيال سبقتني ويحملها أولئك الذين يرفضون الاستسلام.
حتى من بعيد، أحمل تلك المعرفة في داخلي. أعلم أنني سأطأ يوماً ما تلك الأرض، ليس كزائرة بل كعائدة إلى بيتها. سأمشي حيث ركض جدي يوماً ما من أجل حياته، وسأستنشق الهواء الذي حمل يوماً صلواته. لأن هذا الحب، وهذا الإيمان، وهذا الانتماء، أقوى من أي جدار. وطالما استمررنا في الحب ورواية قصصنا، ستظل فلسطين حية. فينا، ويوماً ما، في الحرية.
(وجهات النظر والآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب ولا تعكس بالضرورة السياسة أو الموقف الرسمي لصحيفة ديلي تريبيون)